أبو فتحي … قصة عودة للحياة

02

سنواته الخمسين الأولى من عمره كانت الأقصر قياساً بالسنوات التي تلتها، الفقد التشرد والنزوح كانت العناوين الرئيسية لمرحلة جديدة وصعبة من حياة أبو فتحي الذي هُجّر مع عائلته المكوّنه من 4 أولاد إضافة إلى زوجته، وذلك إثر ارتفاع حدّة الاشتباكات والعنف في بلدته “مديرا” التي كان يقطنها.

نزح أبو فتحي مع عائلته إلى بلدة “بالا” في الغوطة الشرقية متخذاً هناك مسكناً وعملاً له في حرفته التي يتقنها تركيب الرخام والأرضيات الحجرية.

اليوم الثاني من عام 2013 هو يوم لن ينساه أبوفتحي، قصف استهدف بلدة “بالا” تلته اشتباكات قوية وأصوات مدويّة اكتشف بعد هدوئها أنه فقد زوجته، جُرِح أطفاله، فيما أصيب هو بشظايا تسببت ببتر قدمه اليمنى.

تقول بعض الإحصائيات إن 90% من جرحى الصراع السوري هم من المدنيين، في حين خلّفت القذائف والبراميل وعمليات القصف العشوائي، المستمرة على امتداد السنوات الأربع الماضية، أكثر من 10 ألاف شخص فقدوا أطرافهم، حسب تقديرات الجهات الطبية والجمعيات الأهلية في ظل غياب إحصائيات دقيقة وواضحة من  الجهات الحكومية والمنظمات الدولية المعنيّة بالشأن الإغاثي، ومن المعروف أن الحلقة الأضعف في الحروب هم دائماً الجرحى الذين تؤدي إصاباتهم إلى بتر أطرافهم.

وقد ساهمت ظروف الحصار والعقوبات الاقتصادية بزيادة مأساة هؤلاء الأشخاص، عبر ارتفاع أسعار الأطراف الصناعية إلى ما يقارب النصف مليون للطرف الواحد فضلاً عن ندرة المواد اللازمة لتصنيعها.

أبو فتحي الذي كان يعمل قبل إصابته بتركيب الرخام والأرضيات الحجرية، تسبب فقده لقدمه بتغيير تفاصيل حياته كاملةً وعدم المقدرة على القيام بأساسيات الحياة اليومية بمفرده كما كان في السابق، الأمر الذي أصابه بيأسٍ دفعه إلى ملازمة المنزل والامتناع عن الخروج لفترة طويلة، واللجوء إلى أطفاله الصغار الأربع لتدبّر احتياجاته اليومية.

الإحصائيات حول فاقدي الأطراف في الحرب السورية والتي تكاد تكون “كارثية” دفعت العديد من المؤسسات والمنظمات الإغاثية إلى خلق مبادرات علاجية عديدة لهؤلاء االأشخاص تمثّلت بتركيب أطراف صناعية أو العلاج الكامل حتى الشفاء، وكانت مؤسسة خير إحدى هذه المؤسسات.

أبو فتحي كان أحد الـ 11 شخص المتواجدين في غوطة دمشق الذين بادرت مؤسسة خير، إحدى مؤسسات منظومة وطن، إلى تصنيع وتركيب أطراف صناعية لهم، وذلك عبر شريك طبي داخلي يتولى مهمة التنفيذ والتأهيل لاستقبال الطرف الجديدة والتعوّد على الحركة من خلاله.

ويعتبر هذا المشروع أحد مشاريع القسم الطبي في المؤسسة، إذ تعمل خير في المجال الطبي داخل سورية في عدد من المجالات تتنوع بين دعم مراكز صحية ومشافٍ وتأمين مستلزمات علاجية بكلفة إجمالية تصل شهرياً إلى 160 ألف دولار أميركي.

لم يستطع أبو فتحي أن يخفِ سعادته بالطرف الجديد تزاحمت برأسه الأفكار لمستقبله الذي يثق أنه سيكون مختلفاً عن أيامه الأخيرة التي عاشها في عزلة تامة معبراً عن ذلك بقوله “نعم .. معظم الأشياء ستتغير .. وسأعود للحياة من جديد”.02